المجلس الانتقالي الجنوبي: من كيان سياسي ناشئ إلى لاعب يفرض واقعًا جديدًا في اليمن

في أوائل ديسمبر 2025، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 ويحظى بدعم عسكري وسياسي من دولة الإمارات العربية المتحدة، عن إطلاق عملية عسكرية واسعة في الجنوب والشرق اليمني تحت اسم “المستقبل الواعد”، تمكن خلالها من بسط سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة شرقي البلاد، بما في ذلك مناطق استراتيجية وحقول نفطية في حضرموت، ومدن رئيسية مثل سيئون، إضافة إلى إحكام النفوذ على مساحات واسعة من المناطق المأهولة في المحافظتين، وفقًا لما أوردته موسوعة ويكيبيديا في تحديثاتها الأخيرة حول تطورات الصراع اليمني.

وذكرت المصادر نفسها أن سيطرة المجلس لم تقتصر على البر فقط، بل شملت أيضًا المطارات والموانئ والمواقع الحدودية مع سلطنة عُمان، في خطوة عززت نفوذ المجلس الانتقالي على طول الساحل الجنوبي ومناطق الشرق اليمني ذات الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية.

وبحسب ما نشرته وكالة english.news.cn، فقد ترافقت تحركات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة مع اشتباكات محدودة مع قوات المنطقة العسكرية الأولى، التي يُنظر إليها على أنها قريبة من حزب الإصلاح الموالي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، إضافة إلى قوات محلية أخرى، وأسفرت هذه المواجهات عن مقتل وجرح عشرات من عناصر الجيش اليمني في مناطق متفرقة من وادي حضرموت، وفق بيانات رسمية وتقارير ميدانية.

وفي السياق السياسي، أفاد موقع الجزيرة نت بأن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي شدد على ضرورة انسحاب قوات المجلس الانتقالي من حضرموت والمهرة باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لعودة الاستقرار إلى الشرق اليمني، محذرًا من أن استمرار وجود هذه القوات يهدد “وحدة القرار الأمني والعسكري” ويقوض مسار العملية السياسية والاقتصادية في البلاد.

ميدانيًا، أشارت وكالة الأناضول (AA) إلى بروز توترات متزايدة بين المجلس الانتقالي وبعض القوى المحلية في حضرموت، بما في ذلك قيادات قبلية وقوات محلية أعلنت رفضها لسيطرة المجلس، في وقت نقلت فيه الوكالة عن مصادر ميدانية أن قيادات بارزة في المجلس الانتقالي وجهت قواتها بالحفاظ على ما وصفته بـ“الانتصارات والمكتسبات” في حضرموت والمهرة، رغم ضغوط سعودية لإعادة تسليم المواقع لقوات محلية مدعومة من الرياض، من بينها ما يُعرف بـقوات درع الوطن.

وفي تطور سياسي لافت، ذكرت صحيفة The New Arab أن المجلس الانتقالي أعلن امتلاكه حضورًا فعليًا في جميع محافظات الجنوب والشرق اليمني، ملوحًا بإمكانية إعلان إدارة أو حكومة موازية للجنوب خلال الأسابيع المقبلة في حال استمرار غياب الحكومة الرسمية عن إدارة هذه المحافظات، وهو ما اعتبره مراقبون تثبيتًا لواقع انفصالي جديد في اليمن بعد سنوات من الحرب والانقسام.

وأوضحت صحيفة The Guardian أن هذه التطورات ساهمت في تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات نتيجة اختلاف الأدوار والتحالفات داخل التحالف العربي، حيث قامت قوات مدعومة من الرياض بحشد عسكري قرب الحدود اليمنية ردًا على توسع المجلس الانتقالي، بالتزامن مع دعوات أممية متكررة لضبط النفس والعودة إلى الحوار السياسي لتجنب انفجار الوضع ميدانيًا.

في السياق نفسه، أفادت The New Arab بأن البرلمان اليمني عبّر عن “أسفه” لما وصفه بالسيطرة الأحادية للمجلس الانتقالي على حضرموت والمهرة، معتبرًا أن هذه الخطوات تأتي خارج إطار التوافقات الوطنية، في وقت يرى فيه محللون أن ما جرى يعيد رسم خريطة النفوذ في اليمن ويفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة قد تعيد البلاد إلى مرحلة الانقسام الجغرافي والسياسي بين الشمال والجنوب.

المجلس الانتقالي الجنوبي

يعد المجلس الانتقالي الجنوبي أحد أبرز الكيانات السياسية والعسكرية التي برزت في اليمن خلال العقد الأخير، وأحد أهم الفاعلين في المحافظات الجنوبية، حيث تحوّل من إطار سياسي ناشئ إلى قوة أمر واقع تمتلك نفوذًا واسعًا على الأرض، وبنية تنظيمية معقدة، وعلاقات إقليمية مؤثرة. وقد أعاد المجلس إلى الواجهة قضية الجنوب، التي تعود جذورها إلى ما قبل وحدة عام 1990، وطرحها مجددًا بوصفها قضية سياسية لم تحل، وليست مجرد انعكاس جانبي للحرب الدائرة في اليمن.

منذ تأسيسه عام 2017، ارتبط اسم المجلس الانتقالي بمطالب استعادة دولة الجنوب أو تمكين الجنوبيين من تقرير مصيرهم، في مقابل تمسك الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بوحدة البلاد. وبين هذين الموقفين، تشكّل مشهد معقّد من الصراع السياسي والعسكري، تتداخل فيه العوامل المحلية بالإقليمية، وتنعكس فيه أزمات اليمن المزمنة، من انهيار الدولة إلى تعدد مراكز القوة.

جذور القضية الجنوبية من الوحدة إلى ما بعد حرب 1994

تعود القضية الجنوبية إلى لحظة إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990، حين توحدت الجمهورية العربية اليمنية في الشمال مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب. وقد جاءت الوحدة بعد مفاوضات طويلة، وسط آمال واسعة بإقامة دولة حديثة تقوم على الشراكة السياسية، وتقاسم السلطة والثروة، واحترام الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل طرف.

غير أن تلك الآمال سرعان ما اصطدمت بواقع سياسي هش، تميّز بتصاعد الخلافات بين شريكي الوحدة، واندلاع أزمة سياسية حادة مطلع التسعينيات، انتهت بحرب شاملة في صيف عام 1994. وأسفرت الحرب عن هزيمة القوات الجنوبية، وترسيخ سلطة مركزية واحدة في صنعاء، ما شكّل نقطة تحول عميقة في العلاقة بين الشمال والجنوب.

في السنوات اللاحقة للحرب، تصاعدت شكاوى الجنوبيين من التهميش السياسي، وإقصاء الكوادر العسكرية والإدارية، والاستحواذ على الأراضي والثروات، خصوصًا في عدن وحضرموت. ومع غياب أي معالجة جذرية لهذه المظالم، تراكم الاحتقان، وظهر الحراك الجنوبي عام 2007 كحركة احتجاجية واسعة، بدأت بمطالب حقوقية، ثم تطورت تدريجيًا إلى مطالب سياسية، وصولًا إلى الدعوة لفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.

عيدروس الزبيدي: السيرة السياسية والعسكرية لرجل المجلس الأول

يعد عيدروس قاسم الزبيدي الشخصية المحورية في المجلس الانتقالي الجنوبي، وأحد أبرز القيادات الجنوبية في اليمن المعاصر. وُلد عام 1967 في محافظة الضالع، وشارك في حرب الانفصال عام 1994 إلى جانب القوات الجنوبية، قبل أن يغادر البلاد عقب الهزيمة، ليستقر في جيبوتي لعدة سنوات.

رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزُبيدي
رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزُبيدي

في منتصف التسعينيات، أسس الزبيدي حركة “حتم”، التي تبنت العمل المسلح ضد السلطة المركزية، ما أدى إلى ملاحقته أمنيًا وصدور حكم غيابي بالإعدام بحقه، قبل أن يُسقط لاحقًا بعفو رئاسي. بعد عودته إلى اليمن، انخرط في النشاط السياسي ضمن صفوف الحراك الجنوبي، وبرز كأحد قادته الميدانيين.

مع اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، لعب الزبيدي دورًا بارزًا في تشكيل وقيادة “المقاومة الجنوبية” التي شاركت في قتال الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، خصوصًا في عدن ولحج والضالع. وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، عُيّن محافظًا لعدن، حيث تولى إدارة مدينة تعاني من انهيار أمني واسع.

غير أن علاقته بالرئيس عبد ربه منصور هادي سرعان ما توترت، على خلفية خلافات سياسية وإدارية، انتهت بإقالته في أبريل/نيسان 2017، وهي الخطوة التي مثّلت الشرارة المباشرة لتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي.

إعلان المجلس الانتقالي وتحول القضية الجنوبية إلى كيان سياسي منظم

في 11 مايو/أيار 2017، أُعلن رسميًا عن تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد موجة احتجاجات واسعة في عدن ومحافظات جنوبية أخرى. وجاء الإعلان بوصفه محاولة لتوحيد الصف الجنوبي تحت قيادة سياسية واحدة، قادرة على تمثيل الجنوب داخليًا وخارجيًا.

الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي تناقش أوضاع الإعلام في الجنوب أواخر 2025 (الموقع الرسمي للمجلس)
الأمانة العامة للمجلس الانتقالي الجنوبي تناقش أوضاع الإعلام في الجنوب أواخر 2025 (الموقع الرسمي للمجلس)

ضمّت هيئة رئاسة المجلس شخصيات سياسية وقبلية وعسكرية من مختلف المحافظات الجنوبية، في محاولة لإضفاء طابع تمثيلي شامل. وأكد المجلس في بيانه التأسيسي تمسكه بخيار استعادة الدولة الجنوبية، مع الاستمرار في دعم التحالف العربي في الحرب ضد الحوثيين، ومحاربة الجماعات المتطرفة.

قوبل الإعلان برفض قاطع من الحكومة اليمنية، التي اعتبرته كيانًا غير شرعي، ومخالفًا للمرجعيات الدستورية، وتهديدًا لوحدة البلاد. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة من التوتر المستمر، شملت صدامات سياسية وعسكرية.

البنية التنظيمية والذراع العسكرية للمجلس الانتقالي

سعى المجلس الانتقالي منذ تأسيسه إلى بناء هياكل تنظيمية تمنحه طابع الكيان السياسي المتكامل، فأنشأ هيئة رئاسة، وجمعية وطنية، وهيئات تنفيذية واستشارية، إضافة إلى قيادات محلية في المحافظات الجنوبية. وتهدف هذه البنية إلى إدارة الشؤون السياسية والتنظيمية، وتعزيز حضور المجلس على المستويين المحلي والدولي.

على المستوى العسكري، يعتمد المجلس على تشكيلات أمنية وعسكرية أبرزها قوات الحزام الأمني وألوية الدعم والإسناد، التي انتشرت في عدن ولحج والضالع وأبين، وتلقت تدريبًا ودعمًا من دولة الإمارات. وقد مكّنت هذه القوة العسكرية المجلس من فرض سيطرته على الأرض، والتحول إلى قوة أمر واقع في الجنوب.

الصدامات مع الحكومة ومعارك السيطرة على عدن

شهدت العلاقة بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية مواجهات مباشرة، أبرزها اشتباكات يناير/كانون الثاني 2018، ثم معارك أغسطس/آب 2019، التي انتهت بسيطرة قوات المجلس على معظم مدينة عدن، بما في ذلك القصر الرئاسي ومقار حكومية ومعسكرات رئيسية.

شكّلت تلك المعارك نقطة تحول مفصلية، إذ كرّست المجلس لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه، وأجبرت التحالف العربي على التدخل لاحتواء التصعيد، ومنع انهيار المعسكر المناهض للحوثيين.

حضرموت: الخصوصية السياسية وتعقيدات النفوذ

تمثل حضرموت واحدة من أكثر المحافظات تعقيدًا في حسابات المجلس الانتقالي، نظرًا لمساحتها الشاسعة، وثرواتها النفطية، وتركيبتها القبلية والاجتماعية المختلفة. وعلى عكس عدن والضالع، لا يحظى المجلس بإجماع حضرمي، إذ توجد قوى محلية تطالب بإقليم حضرمي مستقل أو بإدارة ذاتية للموارد.

شهدت المحافظة خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في الحراك الحضرمـي، وظهور مطالب ترفض احتكار تمثيل الجنوب من قبل أي كيان واحد، ما جعل حضرموت تحديًا حقيقيًا لمشروع المجلس الانتقالي.

سقطرى: الجغرافيا الاستراتيجية وصراع السيادة

أثارت سيطرة المجلس الانتقالي على جزيرة سقطرى عام 2020 جدلًا واسعًا، نظرًا للأهمية الاستراتيجية والبيئية للجزيرة. وقد اعتبر خصوم المجلس هذه الخطوة امتدادًا لصراع النفوذ الإقليمي، فيما بررها المجلس بالحفاظ على الأمن والاستقرار.

أعادت سقطرى طرح أسئلة عميقة حول السيادة، ودور القوى المحلية في إدارة المناطق ذات الحساسية الجغرافية العالية، وحدود النفوذ الإقليمي في اليمن.

اتفاق الرياض ومسار المجلس في العملية السياسية

جاء اتفاق الرياض، الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 برعاية سعودية، كمحاولة لاحتواء الصراع بين الحكومة والمجلس الانتقالي. ونص الاتفاق على إشراك المجلس في الحكومة، وإعادة ترتيب القوات العسكرية والأمنية، وتوحيد الجهود ضد الحوثيين.

ورغم مشاركة المجلس في حكومة المناصفة، فإن الاتفاق واجه تعثرًا كبيرًا في التنفيذ، وبقي المجلس محتفظًا بقوته العسكرية، ومتمسكًا بمشروعه السياسي، ما أبقى العلاقة مع الحكومة في حالة شد وجذب مستمرة.

 

تحوّل المجلس الانتقالي الجنوبي خلال سنوات قليلة من كيان سياسي ناشئ إلى قوة رئيسية في الجنوب، ونجح في إعادة القضية الجنوبية إلى صدارة المشهد اليمني. غير أن مشروعه يظل محاطًا بتحديات داخلية وخارجية، تتعلق بالانقسامات الجنوبية، وتعقيدات المشهد الإقليمي، ومسار التسوية السياسية في اليمن.

ويبقى مستقبل المجلس مرتبطًا بمآلات الحرب، وبقدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على التوصل إلى تسوية شاملة تعالج جذور الصراع، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى